الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

44

شرح ديوان ابن الفارض

وأما هذا الصّبّ فإنه غريب بين الغرباء غير مائل إلى أوطانه وفي جعله غريبا بين أهليه أغراب حيث أثبت له الغربة مع كونه بين الأهلين ، وما ذاك إلا أن الغربة تقتضي الوحشة ، والوطن يقتضي الأنس ، فلما كان مستوحشا مع أهله لبعد مراد خاطره كان قرب الأهل غير مقيّد له الأنس الذي يكون في الأوطان فحكم على نفسه بالغربة باعتبار وجود لازمها الذي هو الاستيحاش بعدم وجود المحبوب وفقد المطلوب ، وقد قلت في ذلك : آه من حسرتي وشوقي إليه * أنا لما نأى بأهلي غريب ( ن ) : غربته بين أهله كناية عن تحقّقه في نفسه بالحيّ القيّوم ، قال تعالى : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : الآية 33 ] فهو تعالى قيّوم على النفوس كلها ، فإذا تحقّق بالقيّومية ارتحل عن عالم أهله وبعد عنهم فصار غريبا وهو بينهم ، وهو مع ذلك لم يعطف على الأوطان الأصلية التي كان فيها قبل ظهوره في عالم الكون وهي حضرة الكلام الإلهي وحضرة العلم الرّبّاني ، وحاصله أنه خرج من عالم أهله وأمثاله من البشر ولم يدخل في عالم الغيب على التمام لبقاء أثر البشرية عليه . جامحا إن سيم صبرا عنكم وعليكم جانحا لم يتأيّ الجامح : اسم فاعل بمعنى الممتنع الغالب . و « سيم » : كبيع مجهول من سام فلان فلانا الأمر كلّفه إيّاه ، وأكثر ما يستعمل في العذاب والشّرّ . والجانح : اسم فاعل من جنح أي مال . وقوله « لم يتأيّ » : مضارع من تأيّيت في الأمر إذا تلبثت فيه . الإعراب : جامحا حال من الصّبّ أيضا . وإن : شرطية . وسيم : فعل الشرط ونائب فاعله ضمير الصّبّ . وصبرا مفعوله الثاني . وعنكم : متعلق به . وجانحا : حال بعد حال . وعليكم : متعلق بما تعلق به عنكم وهو الصبر لما يقتضيه العطف ، أي وتركت الصّبّ إن سيم صبرا عليكم جانحا . وجملة لم يتأيّ : حال أيضا ومفسّرة لقوله جانحا ، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله ، أي إن كلف الصبر عنكم فهو ممتنع جامح . المعنى : قل أيّها السائق تركت الصّبّ وهو ممتنع إن طلب منه الصبر عنكم ، وإن طلب منه الصبر عليكم فهو مائل إليه غير متوقف فيه . ومعنى الصبر عنهم تركهم ، ومعنى الصبر عليهم تحمّل مشاقّهم . وقد تكلمنا على ذلك عند شرحنا لقوله في الذاليّة : والصبر صبر عنكم وعليكم الخ . . . . وقد كرّر الشيخ رحمه اللّه هذا المعنى